الشيخ محمد رشيد رضا

620

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

* * * وأما قوله فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ فهو وصل للنهي عن التولي بما هو حجة على جدارتهم بالانتهاء ، فان كانت الآية التي قبله قد نزلت بعد انتهاء القتال في غزوة بدر كسائر السورة كما عليه الجمهور فوجه الوصل بالفاء ظاهر جلي ، كأنه يقول يا أيها المؤمنون لا تولوا الكفار ظهوركم في القتال أبدا ، فأنتم أولى منهم بالثبات والصبر ثم بنصر اللّه تعالى ، فها أنتم أولاء قد انتصرتم عليهم على قلة عددكم وعددكم وكثرتهم واستعدادهم ، وانما ذلك بتأييد اللّه تعالى لكم ، وربطه على قلوبكم وتثبيت أقدامكم ، فلم تقتلوهم ذلك القتل الذريع بمحض قوتكم واستعدادكم المادي ولكن اللّه قتلهم بأيديكم بما كان من تثبيت قلوبكم بمخالطة الملائكة وملابستها لأرواحكم ، وبالقائه الرعب في قلوبهم ، فهو بمعنى قوله عز وجل ( 9 : 41 قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ ) الآية ، والمؤمن أجدر بالصبر الذي هو الركن الأعظم للنصر من الكافر ، لأنه أقل حرصا على متاع الدنيا ، وأعظم رجاء باللّه والدار الآخرة كما قال تعالى ( وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ ، إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ ، وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ ) وقال حكاية لرد المؤمنين بهذا الرجاء ، على الخائفين من كثرة الأعداء ( كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) ثم التفت عن خطاب المؤمنين المقاتلين بأيديهم ، والمجندلين لصناديد المشركين بسيوفهم ، إلى خطاب قائدهم وهو الرسول المؤيد منه تعالى بالآيات ( ص ) ومنها أنه رمى المشركين يومئذ بقبضة من التراب قائلا « شاهت الوجوه » فأعقبت رميته هزيمتهم ، روي عن أبي معشر المدني عن محمد بن قيس ومحمد بن كعب القرطبي بالمعنى وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ان النبي ( ص ) لما قال في استغاثته يوم بدر « يا رب إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا » قال له جبريل : خذ قبضة من التراب فارم بها في وجوههم - ففعل فما من أحد من المشركين إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة فولوا مدبرين . وروى السدي انه ( ص ) طلب من علي أن يعطيه حصبا من الأرض فناوله حصبا عليه تراب فرماهم به الخ . وعن عروة ومجاهد وعكرمة وقتادة أيضا أن الآية في رميه ( ص ) في بدر . فإذا لم تكن رواية من هذه الروايات وصلت إلى درجة الصحيح فمجموعها